الشيخ عبد الله المامقاني ( العلامة الثاني )

خاتمة 64

تنقيح المقال في علم الرجال ( ط . ق )

عن وثاقته في زمان روايته نعم يمكن ردّ الأشكال في ترجيح الجارح على المعدّل بعد ظهور كليهما في بيان صفة الرّاوى وعدم ظهور الجرح في تأخّره أو في كونه اخبارا عن الجرح في زمان التوثيق لئن يقال انّ الجرح مقدم على التوثيق لأنّ الجارح يخبر عن امر خفّى على المعدّل والحاصل انّ ثمرة تقديم الجارح على المعدّل لا تظهر الّا بعد معرفة اتّفاق زمان الجرح والتعديل وزمان الرّواية والّا فلا يكاد شخص غير معصوم يخلو عن العلم بخلوه عن الملكة في بعض الأزمنة فإن كان الجرح اخبارا عن عدم الملكة في زمان فالعلم به حاصل قبل الأخبار عنه وإن كان عدم قبول رواية المجروح للشبهة المحصورة فالشبهة حاصلة قبل الأخبار بالجرح أيضا فينبغي ان لا يسمع قول المعدل أو لا يكون في سماعه ثمرة الّا إذا تشخّص زمان الوثاقة والرّواية أو كان زمان الجرح معينا فيحكم بتأخر زمان الرواية والتعديل عن زمان الجرح فان ظهر أيضا صدور الرّواية بعد فرض تحقّق العدالة صحّت الرّواية لكن ترى الأصحاب من السّلف إلى الخلف يجرحون بمجرّد وجود الجارح ويقدمونه على المعدل وحيث خلى رجل عن الجرح حكموا بصحّة التّوثيق فيه ولعلّ السّر فيه ما ذكرناه من انّ التّوثيق ظاهر في الوثاقة بعد صيرورته راويا وهو لا ينافي العلم بوجود حالة للرّجل قد خلت عن العدالة بخلاف ما لو كان هناك جرح فانّ الجرح أيضا ظاهر في الأخبار عن جرح الرّاوى لا من لم يصدر منه الرّواية لا أقول انّ الجرح والتّعديل ظاهر ان في الأخبار عن الأمرين بعد صدور الرّواية فيجرح تلك الرّواية الّتى اعتبر تقدّمها فتشتبه بغيرها فيخرج الباقي عن الحجّية بل أقول انّ المراد انّهما ظاهران في انّ الرّاوى حال روايته موثق أو مجروح فيقدّم الجرح على التعّديل لما ذكروه من انّ الجارح يخبر عن امر خفّى على المعدل ويرد عليه بالنّقض بما لو اخبر المعدل بوجود ملكة مانعة عن صدور ما يخبر عنه الجارح فيكون كلاهما امرين وجوديين لا ترجيح في أحدهما على الأخر نعم يمكن ان يقال انّ احتمال الخطأ في التّعديل أقوى خصوصا في بعض الأزمنة من احتماله في الجرح فيقدم الجرح حيث لا مرجّح في جانب التّعديل وبالحمل على انّ الجارح يخبر زيادة على ملكة الفسق بوجود لم خارجىّ مناف للأصل فتأمّل ويكفى في الجرح عدل واحد أيضا ومن اعتبر التعدّد في التعديل اعتبر هنا أيضا لأتّحاد المدرك ولعلّه يوافق المشهور في الجرح دون التعديل لقوّة الجرح وموافقة لازمه للأصل فيكفي فيه الواحد وفيه ما فيه رابعها انّ في معنى العدالة خلافا معروفا فلعلّ بناء المزكّى فيها على الدّرجة النّارلة فكيف يجوز الاعتماد على تزكيته لمن لم يوافقه في المسلك فما لم يعلم الموافقة في المسلك لا يجوز التعويل عليها والجواب عن ذلك انّ كون وضع كتب الرّجال لرجوع من بعدهم إليها مع العلم باختلاف المسالك في العدالة قرينة واضحة على ارادتهم بالتوثيق فيها الدّرجة العليا والّا لكان تدليسا يخاشون منه خامسها انّ جماعة كثيرة كانوا غير امامييّن في اوّل الأمر ثم رجعوا وتابوا وحسنت عقيدتهم كحسين بن بشار وعلىّ بن أسباط وغيرهما وجماعة أخرى كانوا اماميّين على الحقّ ثم توقّفوا ووقفوا في ضلال مبين مثل علىّ بن رياح وعلىّ بن أبي حمزة ونحوهما وقد ورد توثيق القبيلتين من ائمّة الرّجال فكيف يعمل بروايتهم للتّوثيق مع الجهل بالتّاريخ واصالة تأخّر الحادث غير مجدية لا لكونها أصلا مثبتا كما صدر من المحقق الكاظمي إذ فيه انّ الأصول المثبتة انّما لا تعتبر في الأحكام من حيث عدم كون بيان العقليّات والعاديّات وظيفة الشارع وامّا في الموضوعات فلا مانع من حجيّتها بل لأنّها معارضة بالمثل والجواب عن ذلك انّ من كان فاسد المذهب ثم رجع إلى الحقّ يؤخذ برواياته مطلقا لأن سكوته بعد رجوعه إلى الحقّ عن روايات حال اعوجاجه تكشف بمقتضى عدالته عن صدقه فيها ومن رجع من الحقّ إلى المذهب الفاسد لا يؤخذ من رواياته الّا بما علم أو ظنّ بصدور الرّواية منه حال الاستقامة ومجرّد توثيق ائمّة الرّجال له لا يدلّ على الأخذ برواياته مطلقا مع تنبيههم على حاله مضافا إلى انّ الرّجوع إلى الوقف ونحوه من المذاهب الفاسدة لا يقدح في حجيّته خبره واعتباره ما لم يؤدّ إلى الكفر غاية الأمر كون روايته موثّقة لا صحيحة وممّا يكشف عن صدور روايات الراجع عن الحق في زمان استقامته اجماعهم على العمل برواياته كما في الحسين بن بشار وعلي بن محمّد بن رياح ولقد أجاد الشيخ ره في العدّة حيث قال امّا ما يرويه الغلاة والمصنّفون وغير هؤلاء فما يختصّ الغلاة بروايته فان كانوا ممّن عرف لهم حال استقامة وحال غلوّ عمل بما رووه حال الاستقامة وترك ما رووه حال التّخليط ولأجل ذلك عملت الطّائفة بما رواه أبو الخطاب محمّد بن أبي زينب في حال الاستقامة وتركوا ما رواه في حال تخليطه وكذلك القول في أحمد بن هلال العبرتائى وابن أبي العزافر وغير هؤلاء وامّا ما يروونه في حال التخليط فلا يجوز العمل به على كلّ حال انتهى ويقرب من الإشكالات المزبورة اشكالات سطرناها مع أجوبتها في أوائل حجج النّافين للحاجة إلى علم الرّجال في المقام الثّالث من المقامات في مقدمة كتاب تنقيح المقال فلاحظ وتدبّر جيّدا الجهة الرّابعة انّه إذا اجتمع في واحد جرح وتعديل فالذي يظهر منهم في تقديم ايّهما أقوال أحدها تقديم الجرح مطلقا وهذا هو المنقول عن جمهور العلماء لأنّ المعدّل يخبر عما ظهر من حاله وقول الجارح يشتمل على زيادة علم لم يطّلع عليه المعدّل فهو مصدق للمعدل فيما اخبر به عن ظاهر حاله الّا انّه يخبر عن امر باطن خفىّ على المعدّل وان شئت قلت انّ التعديل وان كان مشتملا على اثبات الملكة الّا انّه من حيث نفى المعصية الفعليّة مستند إلى الأصل بخلاف الجرح فانّه مثبت لها والأثبات مقدم على النّفى وان شئت قلت انّ كلّا من المعدّل والجارح مثبت من جهة وناف من جهة أخرى فالمعدّل مثبت من حيث ثبوت أصل الملكة وناف اتّكالا على الأصل من حيث صدور المعصية والجارح مثبت من حيث صدور المعصية وناف من حيث تعقّبه بالتّوبة والرّجوع فيقدم اثبات الجارح على نفى المعدّل لكونه نصا بالنّسبة اليه وذاك ظاهر ثانيها تقديم قول المعدّل مط نقله بعضهم قولا ولم نقف على قائله ولا على دليل له وقصارى ما يتصوّر في توجيهه انّه إذا اجتمعا تعارضا لأنّ احتمال اطّلاع الجارح على ما خفى على المعدّل معارض باحتمال اطّلاع المعدّل على ما خفى على الجارح من تجدّد التوبة والملكة وإذا تعارضا تساقطا ورجعنا إلى اصالة العدالة في المسلم وفيه اوّلا انّ اصالة العدالة في المسلم ممنوعة كما أوضحنا ذلك في محلّه وثانيا انّ قول الجارح نصّ في ثبوت المعصية الفعليّة فلا محيص عن وروده وحكومة على الأصل الّذى هو مناط التّعديل وثالثا انّ اللّازم عند تحقّق التّعارض هو التماس المرجّح لا التّساقط ورابعا انّ ذلك لا يكون من تقديم التّعديل على الجرح بل هو طرح لهما ورجوع إلى الأصل ثالثها التفصيل بين صورة امكان الجمع بينهما بحيث لا يلزم تكذيب أحدهما في شهادته كما إذا قال المزكّى هو عدل وقال الجارح رأيته يشرب الخمر فانّ المزكّى انّما شهد بالملكة وهي لا تقتضى العصمة حتى ينافي صدور المحرّم منه فيجتمعان وبين صورة عدم امكان الجمع كما لوعيّن الجارح السبب ونفاه المعدّل كما لو قال الجارح رايته في اوّل الظهر من اليوم الفلاني يشرب الخمر وقال المعدّل انّى رايته في ذلك الوقت بعينه يصلّى بتقديم الجرح على الأوّل لأنّهما حجّتان مجتمعتان فيعمل بهما مع الامكان والرّجوع إلى المرجّحات من الأكثريّة والاعدليّة والأورعيّة والأضبطيّة ونحوها على الثّانى فيعمل بالراجح ويترك المرجوح لما تقرّر في محلّه من الرّجوع إلى المرجّحات عند تعارض البيّنتين فإن لم يتّفق التّرجيح وجب التوقّف للتّعارض مع استحالة التّرجيح من غير مرجّح اختاره الشّهيد الثّانى ره في البداية والمحقّق القمّى وغيرهما رابعها هو الثّالث مع التوقّف في الصّورة الثانية مط وهو المحكى عن الشّيخ ره في ف وعلّل بان مقتضى القاعدة في صورة تعارض البيّنتين هو التّساقط والتوقّف الّا ان يكون أصل في المورد